حين ذهبنا آخر مرة إلى بيت أمي الريفيّ في مقاطعة غوتو في أوائل عام 1997، كان النهر لا يزال يجري، والحافلات تصل في موعدها، وأموالنا ذات قيمة، وكنت أنا أهتم بعائلتي، وبها..
لا، لا أقصد أمي، ولكن بها هي.
لم يكن هناك شخصان أقرب لبعضهما أكثر مني ومنها. تربينا معًا كالأخ وأخته؛ فأنا أكبر منها بأسبوع. كنت شرسًا في منافستي لها.. زوجة «صانع المطر»، أختي ابنة خالتي.
تعْلَم أنه لا أحد في العالم يقول ذلك، لكننا نقوله. ابنة أخت أمي هي أختي. فقط أضفنا «ابنة الخالة» حتى لا يظن أرباب عملنا من البيض أن والدينا من ذلك النوع من السود الذين ينجبون كثيرًا؛ فهم لم يكونوا كذلك. ليس لدي أخوة آخرون. لكن أختى ابنة خالتي كانت لديها أخت توأم، لكنها أكلتها عندما كانت معها في الرحم.. أو هذا ما قاله «الجد-سيكورو» وهمس به أهل القرية بكل ثقة. والآن أصدّقهم.
جدّنا «سيكورو هونغوي» -الذي حالفه الحظ فآلت إليه ملكية المنجم من رئيسه السابق- ترك المنجم وما فيه من ذهب لـ «م. هونغوي» في شهر أبريل. تنازلت له «عائلة تريدغولد» الأسطورية عن هذا المنجم، عائلة اسمها مُعلّق على المباني في أرجاء البلاد، لكن لا أحد يعرف وجوه أفرادها. منجم تريدغولد -كنز جدّنا- هو قطعة أرض مُحاطة بسياج بالقرب من زفافاهيرا في مقاطعة غوتو. الغورونغا الممتدة بمحاذاة دار جدي تبدأ من منجم تريدغولد وتشق طريقها متعرّجة حتى الإرسالية المسيحية.. سلسلة من الأخاديد العميقة، كان شقها الرئيس أضيق مما هو عليه الآن. الأمطار الغزيرة المتقطعة قد نحتت هذا الحاجز بين داري ودارها. قسّمت عائلتنا، ومجتمعنا، وقلوبنا. كنا نكبر، والسماء تمطر بغزارة حتى بدأت الأخاديد تتمدد. أما اليوم الذي قُرِأتْ فيه وصية «سيكورو» فتساقط البَرَد:
«أترك منجم تريدغولد بأكمله لــ م. هونغوي».
اسمي «مونيسو هونغوي»، وهي تُدعى «ماري هونغوي». لقد حملنا لقب أمهاتنا. كانت هي تشبه أبيها، بينما أنا أشبه أمي، أو -الأكثر جدلًا- أنني كنت أشبه «سيكورو». عندما تجمعنا ذلك اليوم الذي قُرِأت فيه كلماته، توقعتُ أن تفهم.. أنا رجل، لقد قصد أن يترك كل شيء لي لأنني رجل.
لكنها قاتلت، وجعلت «صانع المطر» يوقف المطر.
*
عندما وصلت أنا وأمي إلى هناك، كانت أختي ابنة خالتي قد بدأت الطبخ فعلاً. زخات المطر ترتطم بجوانب كوخ المطبخ، وهي تغرف ملاعق ضخمة من السادزا وتكومها في طبق معدني أزرق.
سألت وهي تضيّق عينيها، وتمسح العرق عن حاجبها: «هل كانت رحلتكما جيدة؟».
«نعم، يا أختي!».
رددتُ عليها، وانتفضتُ حين قَرعت أولى الحجارة النوافذ. هرع إلى الداخل مَنْ كانوا يتحلّقون بالخارج، بحثًا عن مأوى.
دخل «مكوما جاكوبو». كان الابن غير الشرعي لـ«سيكورو»، لكن كان علينا جميعًا أن نتظاهر أنه كان راعي ماشية منذ صغره، يرعى قطيعًا يتناقص. صفّق بكفيه المجوّفين على الطريقة التقليدية. دخل خلفه «صانع المطر»، نسيبي وزوجها السمين. طأطأ رأسه الأصلع، متجنبًا النظر في عينيّ أمي. بعد ذلك، تسللت الجدة.. هيكل المرأة التي أرعبتنا حين كنا أطفالاً. تبعها «شيخ القرية-سابهوكو» لا شك أنه كان ينظر إلى السر الذي عرفنا جميعًا أنه كان يتلمّسه لمدة ثلاثين عامًا. أحببنا «سيكورو»، لكن لم يجرؤ أحد أبدًا أن يخبره بالسر العلني. احترمنا الأسرار، واحترمنا السلام. «سابهوكو» يقبض بيديه على ورقة مصفرّة ومسطّرة، محترقة قليلا من طرف، والطرف الآخر مُمزّق بعنف من دفتر واجبات. جلسنا جميعًا وبدأ التصفيق الإيقاعي.
واحد. اثنان. ثلاثة.
تصفيق في البَرَد. يا إلهي، كيف أمطرت؟!
قال «سابهوكو» ليجذب انتباهنا: «باموسوروي – من فضلكم!».
غطّتْ السادزا، وجلست قبالتي، تفصلنا النار.. كما كنا نفعل صغارًا. أدّى «سابهوكو» كل التحيّات والطقوس، ثم فتح الورقة وقرأ منها:
«أترك منجم تريدغولد بأكمله لــ م. هونغوي».
أطلقت أختي ابنة خالتي الزغاريد. وصفق «صانع المطر». أمّا أنا و«مكوما جاكوبو» فاكتفينا بالنظر إلى بعضنا بعضًا.
جاء صوت أمي الهاديء: «باموسوروي..!! ولكن «م. هونغوي» الأكبر هو «مونيسو». هو صاحب الحق؟!».
عمّ الصمت حتى بدأت أختي ابنة خالتي تقهقه. امطري بَرَدًا يا مريم، بلا رحمة!
أختي ابنة خالتي -التي أسكرها الفرح- استجوبت أمي بلا خجل: «أهذا كل ما في الأمر يا كبيرة العائلة-مايغورو؟ ألهذا السبب أنجبتِ ابنًا من «سيكورو»، حتى يحصل على المنجم؟ اللعنة - ماشورا!».
انتحبت الجدّة والسماء ترعد في الخارج. فقدت أمي الوعي، بينما البَرَد يرتطم بالشباك. «سابهوكو» يضرب بعصاه الأرض باشمئزاز، بينما تقتلع الرياح ركنًا من قش الكوخ. «مكوما جاكوبو» يهز رأسه فقط، بينما السماء تبرق.
أمّا أنا فتجرعت المرارة وابتلعتها.
نظرت أختي ابنة خالتي في عينيّ مباشرة وهي تفشي السر العلني، وتتركه يلوّث الهواء.. أنا ابن جدي.
تابعت: «أنريد لنتاج العار أن يمتلك المنجم؟».
ما قتلني هو يقينها وهي تكشف تلك الحقيقة المُرّة. كانت قاسية، لم تعد الأخت التي نشأت معها. لقد كانت مستودع أسراري، لكنها لم تحفظ هذا الولاء. عرفت أنها لم تعد كما كانت منذ تزوجت رجلًا، يُقال: إن حوريات البحر أخذنه عندما كان طفلًا، رجلًا تحدث في منامه إلى أشياء لم نستطع رؤيتها، رجلًا جلب المطر حيثما حل وارتحل.. حتى في ذلك الوقت من شهر أبريل بعد الحصاد حين تشققت التربة وانقشعت الغيوم، بدّل الفصول، وجعل الوديان أكثر عمقًا.
هَدَر زوجها، «صانع المطر»، قائلًا: «لماذا تدافعون عن هذا الرجس، وتدنّسون اسم أول مالك منجم هنا من السود؟ إن تجرّأتم على مقاتلتنا، فلن تمطر هنا بعد اليوم.».
مزقتني الكلمات كما تشق الغورونغا الأرض بمحاذاة الدار في زفافاهيرا.
كان ينبغي عليّ أن أصغي. لكنني رحلت لأنني كنت مفلسًا وعاطلًا.
لقد عدّت إلى غوتو من مناجم الألماس في بوتسوانا، يداي متشققتان، وروحي فارغة، لا أحمل ألماسًا بل صمتًا، لأقف عند حافة تنقيب، ولكن من نوع آخر.. قراءة وصية جدّي، حيث نُبِش الماضي كعظام تحت بيت منسيّ.
لم أكن أعرف أن الأجواء السياسية والاقتصادية قد تغيرت في العام 1997، وأن الدولار الزيمبابوي ينهار، وأن القضايا الرابحة لم تكن فاضحة كقضيتي. بين عامي 1997 و2000، قدّمت أنا ومستشاري القانوني دعاوى، حتى تعذّر مواصلة العمل بلا مقابل. خسرتُ كل شيء وأنا أحاربُ «صانع المطر» وأختي ابنة خالتي. أبناؤها الآن يملكون ثروتي.
ماتت أمي وجدتي، وانتقل «مكوما» إلى موزمبيق. «صانع المطر» مازال على قيد الحياة، لكنه لا يرفع عينيه إلى السماء ليطلب شيئًا لأحد سواه.
المرة الأخيرة التي رأيتهم فيها كانت عام 2007 عندما تزوج ابنها الأكبر، وجاء الناس من كل أنحاء غوتو إلى ما أسموه حفل زفاف تريدغولد.. أكلوا، رقصوا، نسوا المجاعة، نسوا أن المنجم في الأصل منجمي.
حين ذهبت آخر مرة إلى زفافاهيرا، كان النهر جافًا، والغورونغا قد اتّسعت، ولم يكن في الحافلات وقود، فأصبحت الطرق الترابية الوعرة صخرية وخالية. أموالي فقدت قيمتها، ولم أعد أهتم. لم تعد دموعي تنهمر. وقفت عند السياج خالي الوفاض.. ابن جدي.
كل ما فعلته أنني حدّقت فيها عبر السياج.. زوجة «صانع المطر»، أختي ابنة خالتي.